أحمد بن علي الرازي

197

شرح بدء الأمالي

شرط ليكون الكلام حسنا مفيدا ، أما العلم « 1 » معنى وراء الكلام غير الكلام كإدراك البصر معنى وراء العلم لا عين العلم . فإن قال : على اعتبار ما قلتم يكون الأخرس والساكت متكلما ؟ قلنا : إن كان الخرس في اللسان دون القلب أو السكوت في اللسان دون القلب يكون متكلما بالكلام في النفس ، إنما لا يكون متكلما في اللسان بوجود [ 119 ] ضده وهو الخرس ؛ وهذا لأن الكلام نوعان : باللسان وبالقلب ، والخرس والسكوت نوعان أيضا : باللسان وبالقلب . والخرس آفة تحل في اللّسان فيمنعه عن التكلم ، والخرس آفة تحل في القلب فيمنعه من التفكر والتأمل ، فوجود الخرس في أحد المحلين لا يتحقق في المحل الآخر ، ويكون متكلما بذلك الكلام إذ التضاد والتنافي إنما يتحقق في محل واحد لا في محلين مختلفين . وأما ما قالوا : إن على أصلكم لما كان كلام الله تعالى واحدا إن الواحد كيف يكون أمرا ونهيا وأخبارا واستخبارا على ما قالوا ؟ قلنا : يجوز أن يكون الكلام الواحد ، أمرا ، ونهيا ، وأخبارا ، واستخبارا « 2 » ، وأي حالة في هذا أليس أن في الشاهد الكلام الواحد هذه الأشياء إذا تواضعوا على شيء قال واحد لطائفة إذا قلت : قم واشتر اللحم ، فهو أمر لك بشراء اللحم ، ولصاحبك هذا نهى عن شراء الخبز ، وللآخر إخبار عن موت فلان . أليس أنه إذا قال بعد ذلك قم تحصل هذه ويفهم منه الأمر ، والنهى ، والأخبار ، والاستخبار ، والكلام كلام واحد « 3 » ، وكذلك السلطان إذا خرج مع العسكر وتواضع

--> ( 1 ) سبق أن عرفنا العلم . ( 2 ) الاستخبار : هو طلب سماع الأخبار من الغير وتقصيها كقوله تعالى : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ . ( 3 ) قلت : في القرآن أخبار وأمر ونهى بكلام واحد ، والأخبار التي معناها الأمر والنهى مثل قوله تعالى : الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ . ومعنى ذلك لا تنكحوا زانية ولا مشركة . والأخبار التي معناها الأمر كقوله تعالى : تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً . ومعناه ازرعوا . ومثل قوله تعالى : فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها . يعنى الروح . ومثل قوله تعالى : وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ، أي قولوا له : يا رسول الله ، والله أعلم .